• السبت / ٣١ ديسمبر ٢٠١٦ / ١٥:٤٨
  • عنوان: السیاسة
  • رمز الخبر: 95101106710
  • Journalist : 90068

كيف نفهم تصريحات جون كيري؟

طهران(إسنا) - جاء في مقال نشره الکاتب الايراني صابر كل عنبري تحت عنوان"كيف نفهم تصريحات جون كيري؟" بأن""بعد تمرير الولايات المتحدة الأمريكية القرار رقم 2334 ضد الإستيطان الإسرائيلي في مجلس الامن الدولي في ظل تجنبها استخدام حق النقض، نزلت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" مساء يوم الأربعاء (28 ديسمبر) كصاعقة على الإسرائيليين وبالذات الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتانياهو الذي وصفها "بالمنحازة" للفلسطينيين الذين كل من يثير غضب محتلي أرضهم، يثلج صدورهم، وكما يقول المثل الفارسي "العدو يجلب لك الخير إن أراد الله".

تصريحات جون كيري هذه لم تكشف شيئاً جديداً في السياسة الإسرائيلية لم نكن نعرفها من قبل، والاتهامات التي وجهها للإسرائيليين فيما يتعلق بتقزيم حل الدولتين وما شابه ذلك، معروفة لدى القاصي والداني، ليست اتهامات جديدة يتفاجيء بها العالم، مع ذلك هي تصريحات واتهامات صادمة ومفاجئة للإسرائيليين وللعالم، لكن كما قلنا ليست لأنها تتضمن شيئا جديدا لم يكن يعرفها العالم، بل لأنها جاءت على لسان وزير خارجية القوة العالمية العظمى الحليف الأهم والإستراتيجي للإحتلال الإسرائيلي الذي اعتاد على دعمها اللامحدود منذ إنشاء "إسرائيل" على الأراضي الفلسطينية في العام 1948، فلم يكن يتوقع أن تصدر مثل هذه الأقوال من صديقه الأمريكي الصدوق.

الآن وفي ظل ما تفوّه به وزير الخارجية الأمريكي، السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه بقوة أنه ما الدافع الأساسي لدى جون كيري للإدلاء بمثل هذه التصريحات "الجارحة" للإسرائيليين، وخاصة أنها جاءت بعد أيام من القرار الأممي، وتضمنت كلاماً أقسى مما جاء في هذا القرار.

في البحث عن الإجابة لهذا السؤال أظن أن الدافع ليس بعيداً عن الدوافع الأمريكية التي مرّرت القرار الأممي في المجلس الأمن، وفي هذا السياق، يمكننا القول أن هذه التصريحات "الثقيلة" أولاً، لم يأت لتبرير ذلك القرار من منطلق استعطاف الإسرائيليين وتهدئتهم، وإنما جاء في سياق تبريري من منطلق هجومي، يعبّر عن مزيد من غضب إدارة الرئيس باراك أوباما، وليس المؤسسة الأمريكية العميقة من تصرفات حكومة نتانياهو وتسببها بإزعاجات المتكررة لهذه الإدارة خلال السنوات المنصرمة، فلم يجد أوباما وفريقه وقتاً مناسباً للانتقام من نتانياهو وحكومته إلا في هذا "الوقت الضائع" الذي لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يقوم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية بفعل شيء مضاد ضد إدارة على شرف نهاية ولايتها، بالتالي هناك توفرت فرصة ثمنية لمثل هذا الانتقام.

ثانيا، هي تصريحات تأتي في سياق "خطاب إحساسي مودّع" لوزير الخارجية الأمريكي، ربما أراد أن يسجّل فيه نقاطاً منبعثة من قناعته المكنونة الشخصية تجاه "نتنياهو"، و"إسرائيل" والعبء الذي تشكّله للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أخذته المشاعر الوداعية الغاضبة من الكيان الصهيوني يسهب في الحديث أكثر من نصف ساعة عن الإستيطان وأضراره وتداعياته، بينما لم يتعرض لأعداء هذا الكيان إلا في موقف قصير، حينما تحدث أن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تستمر في بناء الأنفاق بما يهدد ذلك الأمن الإسرائيلي.

ثالثا، رغم أهمية التمرير الأمريكي للقرار الأممي، وتصريحات جون كيري من منظور مساهمة الأمرين في فضح الكيان الصهيوني عالمياً، ووضعه في خانة "المستدان" و"المساءلة" لدى الرأي العام العالمي أكثر من قبل، وكذلك تعزيز موقف الناشطين الداعمين للقضية الفلسطيينة في العالم، إلى أنه لا يمكن التعويل على تصريحات كيري للوصول إلى قناعة خاطئة بأن الأدارة الأمريكية تتجه نحو تبني "الحقوق الفلسطينية"، ساعية للتخلص من "العبء الإسرائيلي".

أقصى ما يمكن أن نفكر به في هذا الاتجاه أن هناك ثمة تحول محدود في بعض العقول الأمريكية الحاكمة وغير الحاكمة تجاه الكيان الصهيوني، ولعلّ جاءت في هذا السياق نتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة "بروكينغز الأمريكية، التي أعلن بموجبها 46 بالمائة من الأمريكيين عن دعمهم لفرض عقوبات على "إسرائيل" لبناء المستوطنات في الضفة الغربية التي تعتبر حسب القانون الدولي مناطق محتلة، لكن تستبعد ترجمة هذا "التحول البطيء المحدود" عملياً على الأقل خلال العقد القادم، لذلك الرهان على هذه التصريحات والإجراءات الأمريكية ليس في محله ودوران باطل، وقد يوصلنا هذا الرهان إلى نتائج تحليلية خاطئة، نضيع بموجبها مزيد من الوقت. وفي هذا السياق، قد يسعى من وجد أن برنامجه السياسي قد فشل إلى استغلال تلك الأمور أشد الاستغلال لتبرير تدارك هذا الفشل نظرياً، والتأكيد على سلامة طريقه وبرنامجه التفاوضي.

رابعاً، الدافع الآخر الذي قد يكون وارداً لدى الإدارة الأمريكية الحالية سواء فيما يتعلق بتمرير القرار بشأن الاستيطان أو تصريحات جون كيري، هو دافع داخلي يستهدف وضع عقبات أمام دونالد ترامب قبل تسلمه المنصب، وفتح حفر عميقة أمامه، وتسليمه مشاكل مسبقة من خلال التوريط في موضوع الاستيطان، والذي حاولت فيه إدارة أوباما أن تفعل شيئاً لم تستطع.

خلاصة القول، أننا أمام موقف "شخصي" نادر لإدارة أمريكية منتهية ولايتها عبرت عن غضبها وانتقامها للسياسة الإسرائيلية وشخص نتنياهو بالذات، ثم أننا مقبل على إدارة رئيس أمريكي ردّ على تصريحات جون كيري بمزيد من الدفاع عن "اسرائيل" ومغازلتها وإطلاق وعود للإسرائيليين بأنه لن يسمح باحتقارهم والتعامل معهم بقلة الاحترام. هذا يعني أن الذاهب ذاهب لا يعود، وأن القادم بإيحائاته الراهنة على الأغلب سيكون قادماً صعباً.

النهاية

التعليقات

You are replying to: .